هشام جعيط

188

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

استيعابهم وليس ضرورة أنهم كانوا غير عرب من حيث الجنس ، لكنهم ينتمون إلى الرحل « 1 » . على أن العبارة في اللغة الأكادية تحيل إلى مفهوم يخصّ نمط العيش أكثر ممّا تحيل إلى مفهوم عرقي « 2 » . فيمكن وصف الأراميين أو أي شعب يقيم بالشمال الغربي الذي سوف يعرف ببلاد الشام ، بأنهم « ع - ر - ب - أ - أ » إذا ما وقع تصورهم بمثابة الرحل وهذا يعني أن العرب وحدهم قد استمروا في حياة الترحل ، وأن أولئك الذين استمروا من بعد على هذا النمط من الحياة قد تعربوا . هذا وحتى في الزمن الغابر وجدت عرقية عربية حددتها الأداة اللغوية ، وجرى على سبيل التيسير أو تجاوزا توطينها بمنطقة الجنوب الغربي السامي وذلك نظرا لهيمنة الآرامية على الشمال الغربي » « 3 » . إن المطابقة بين مفهوم « عربي » ومفهوم الترحل بقيت حية حتى اليوم . هناك نقوش سبئية « 4 » تعود إلى القرن الرابع بعد الميلاد ، تحدثت عن وجود « عرب » بصفتهم رحلا . وهناك كتابات متأخرة أقوى دلالة ، وهي تقسم القبائل اليمنية إلى « أحمور » و « عرب » استنادا إلى نمط العيش قطعا . ويجب أن يلاحظ بخصوص القرآن أنه لا يستعمل أبدا الاسم الموصوف عرب ، وبذا فهو لا يسمى العرب في مجموعهم أبدا مستعملا اسما مشتقا هو أعراب للدلالة على البدو « 5 » ، ومستخدما صفة عربي نعتا لغويا فحسب . إن استخدام كلمة عرب من قبل المصادر التي تلت ظهور القرآن واعتمدت أحاديث الرسول وأقوال الخلفاء الراشدين ولا سيما عمر « 6 » ، تنطبق دون ريب على قبائل الرحل ، لا على كل العرب بصفتهم مجموعة عرقية ، مع أن الشعور بالانتماء العرقي أو بالهوية الثقافية كان شديدا قبيل ظهور الإسلام ، ولعل ذلك كان أشد عند الرحل منه عند سكان المدن ، كما بيّن ذلك فون

--> ( 1 ) Ibid . , p . 80 . حيث نجده يؤيد الرأي المعاكس . ( 2 ) . Ran Zadok , art . cit . , p . 44 وهو يعتمد عدة مؤلفين منهم Montgomery و Eph'al وغيرهما ، وكلهم جادون في إنكار كل صبغة عرقية وبالتالي كل استمرار تاريخي على مفهوم « عرب » . ( 3 ) . Ibid . , p . 54 لكن أسماء العرب الأوائل في الشمال ( ص 76 - 79 ) كانت موجودة كثيرا ، كأهالي ثمود وتيماء . وقد فحص نولدكه No ? ldeke الأسماء النبطية مشددا القول على أنهم « عرب خلص » رغم أنهم كانوا يتكلمون بسهولة الآرامية : Art . « Nabate ? ens » , E . I . / I . ( 4 ) W . Caskel - A . Grohmann , art . « Arab » , E . I . / 2 ، عبد العزيز الدوري ، التكوين التاريخي للأمة العربية ، ص 18 ؛ خالد العسلي ، « العرب في النقوش القديمة » ، مجلة العرب ، مجلد 5 ، 1971 ، ص 410 وما بعدها . ( 5 ) القرآن ، « سورة الحجرات » 14 ؛ « سورة التوبة » 97 و 98 - 99 - 101 . ليس الحكم سلبيا دوما لكن المقابلة المتجاورة بين كلمتي أعراب وأهل المدينة ، ( 101 ) ، ملفتة للنظر . أما الوصف اللغوي فيظهر في كلمة معروفة هي « قرآن عربي » سورة طه ، 113 . ( 6 ) الطبري ، ج 5 ، ص 41 ؛ البلاذري ، فتوح . . ص 275 . إلا أن الدوري يذكر أن كلمة عرب وردت مرتين بمعنى مجموع العرب : مرجع مذكور ، ص 19 .